انتحار الخصوصية في زمن الذكاء الاصطناعي

لم ننفك من شكوى منصات التواصل الاجتماعي التي اخترقت حساباتنا، وجمعت مئات التفاصيل الصغيرة التي تركناها خلفنا على مدار سنوات، ليستخدموها كسلعة، بعد تحليلها، لتباع للشركات والمتاجر ليستهدفونا بإعلاناتهم في زمن فوران الشهوة الاستهلاكية.

القصة المتداولة عن أم نشرت فيديو عاديا، وهي تغني مع ابنتها في السيارة، تصلح مثالا صارخا على هذا التحول. فبحسب الرواية، ظهرت أسئلة مقترحة مرتبطة بالفيديو، من بينها: من الطفلة الموجودة في السيارة؟ وأين تعيش صاحبة الفيديو؟ ثم استطاعت أداة الذكاء الاصطناعي، وفقا لما اكتشفته الأم، الربط بين معلومات منشورة في حسابات مختلفة، بما فيها صور قديمة لأطفالها وأخرى نشرتها الجدة، وصور عائلية كانت الأم قد حذفتها من حسابها، لكي يجيب الذكاء الاصطناعي بأدق تفاصيل حياة السيدة ناشرة المحتوى.

لكن، مع ذلك وللأمانة، لا يمكن اعتبار هذه القصة وحدها دليلا على أن فيسبوك يستطيع الوصول إلى كل محتوى خاص أو محذوف كما يقال في المنشور المتداول. فشركة ميتا نفسها تؤكد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لديها تعتمد على مصادر متعددة، بينها المعلومات العامة المنشورة على الإنترنت ومحتوى منتجات الشركة، كما تقر بأن نماذجها يمكن أن تنتج معلومات غير دقيقة أو مختلفة.

مع ذلك، فالمشكلة الأساسية والمقلقة هي أن نماذج الذكاء الاصطناعي الذي يطور نفسه 70 ضعفا، بشكل تراكمي، كل 3 أشهر، يعد خطرا، إذ بعد فترة ما يمكن لهذه النماذج أن تقدم أجوبة صحيحة 100%، ما يعني تغير قواعد اللعبة. فالخصوصية لم تعد مجرد ما تنشره، بل بما يرتبط بك في شبكة لا متناهية من المعلومات التي تكشف بعضها عن الآخر.

لسنوات طويلة كانت المعادلة بسيطة.. أنت تنشر، والمنصة تخزن، أما اليوم فأصبحت المعادلة.. أنت تنشر، والمنصة تحلل، وتقارن، وتشبك، وتربط، وتستنتج. فقد لا تكتب أبدا: “أنا أعيش في المكان الفلاني”، لكنّ صورا متكررة من شارع معين، ومطعم قريب، ومدرسة الأطفال، ومكان العمل، وأوقات النشر، ومعلومات الأقارب، يمكن أن تجعل الوصول إلى استنتاج قريب من ذلك ممكنا. فالخطورة تكمن هنا في الاستنتاجات التي تستطيع المنصة إنتاجها من البيانات التي أعطيتها لها.

الاتحاد الأوروبي، مثلا، يضع في مبادئ حماية البيانات مفاهيم مثل تقليل البيانات، وتحديد الغرض، والشفافية، والسرية، وعدم الاحتفاظ بالبيانات أكثر مما يلزم. كما حذر مجلس حماية البيانات الأوروبي من (أنماط التصميم الخادعة) في منصات التواصل، التي قد تدفع المستخدم نحو خيارات أقل حماية للخصوصية، لكن المشكلة أن معظم المستخدمين لا يقرؤون شروط الاستخدام أصلا، وحتى الذين يقرؤونها يجدون أمامهم وثائق طويلة ومعقدة، ومع الرغبة في الحصول على الخدمة سريعا لا أحد ينتبه للتفاصيل، وهو ما تستغله هذه المنصات، فشروط الاستخدام عقد غرر فيما لو تم الحكم عليه فعليا.

وهكذا تحولت الخصوصية تدريجيا من حق أصيل للمستخدم إلى شيء يتعين عليه أن يكتشف بنفسه كيف يحميه. إن المشكلة الحقيقية ليست في سرقة البيانات بالمعنى التقليدي، لكن الخطورة تأتي من إعادة استخدامها وربطها وتشبيكها وتحليلها بطريقة لم يتوقعها الشخص الذي نشرها، وإذا كانت المنصات والشركات تستطيع ذلك.. فماذا تستطيع الأجهزة الأمنية؟

فإذا كانت شركات التكنولوجيا تمتلك كميات هائلة من البيانات عن حياتنا، فإلى أي مدى تستطيع الأجهزة الأمنية الوصول إلى هذه البيانات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عندما يسمح القانون بذلك، أو عندما تفرض الدولة ذلك، التفافا على القانون؟

والإجابة تختلف من دولة إلى أخرى. لا يجوز افتراض أن كل حكومة تستطيع الوصول إلى بيانات كل شركة، ولا أن الأجهزة الأمنية تمتلك بالضرورة القدرة نفسها التي تمتلكها المنصة. لكن التجربة الصينية تقدم نموذجا مهما لما يمكن أن يحدث عندما تجتمع البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والبنية الأمنية للدولة.

يشير تقرير لفريدم هاوس نشر هذا العام إلى انتشار كاميرات المراقبة المزودة بالتعرف على الوجه في المدن ووسائل النقل، وإلى إلزام شركات الاتصالات بالحصول على مسح للوجه عند تسجيل مستخدمي الإنترنت أو الهاتف ضمن نظام تسجيل الهوية الحقيقية.

كما يشير إلى قدرة الشرطة على الوصول إلى بيانات شخصية واسعة، مع استخدام أنظمة (البيانات الضخمة) لدى الشرطة الصينية لدمج وتحليل كميات هائلة من المعلومات، بما فيها النصوص والصور والفيديو وبيانات المواقع. تصبح خصوصية الفرد أمام الدولة أمرا مستباحا، وهذا ما عرفناه عن الصين، وهناك الكثير الذي لا نعلمه عن بلداننا.

اترك رد

اكتشاف المزيد من رؤى | ياسر عبد العزيز | Yaser Insights

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة