سيادة القانون كضمانة للحرية

Professional editorial photograph representing justice and the rule of law: a classical courthouse column and scales of justice in soft daylight, dignified, sophisticated, muted tones, documentary style

تُقاس نهضة الأمم وحضارتها بمدى احترامها لكرامة الإنسان وحريته، ولا تكتمل هذه الكرامة إلا حين يغدو القانون مرجعية عليا تخضع لها السلطات قبل الأفراد، فالعدالة المشتهاة لا تتأسس إلا عندما يتساوى الجميع أمام نصوصها دون حصانة أو تمييز. إن الفلسفة الحقوقية المستقرة في الإعلانات والمواثيق الدولية تؤكد على جملة من المبادئ التأسيسية التي تشكل جوهر دولة الحق؛ يأتي في مقدمتها مبدأ الشرعية والمساواة أمام العدالة كما ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى جانب مبدأ المواطنة الفاعلة والديمقراطية التشاركية الذي يقر بحق كل شخص في إدارة الشؤون العامة لبلاده عبر ممثلين يُختارون بنزاهة، فضلاً عن المبدأ الجوهري المتمثل في الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وضمان المحاكمات العادلة وحظر الاحتجاز التعسفي، إذ تحوّل هذه المبادئ مجتمعة المواطن من مجرد خاضع لأوامر السلطة إلى شريك أصيل في تشكيل إرادتها التشريعية.

غير أن المشهد في أغلب الدول العربية، وفي مقدمتها التجربة المصرية، يقدم نموذجاً مناقضاً لهذه المبادئ التأسيسية، حيث يسود مفهوم سيادة الحكم بالقانون بدلاً من سيادة القانون ذاته. ويتجلى ذلك في التوسع المفرط في استخدام التشريعات الاستثنائية وتفعيل المحاكمات العسكرية للمدنيين، فضلاً عن تحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة مسبقة بحق المعارضين وأصحاب الرأي دون محاكمات عادلة، وهو ما يؤدي إلى تهميش القضاء الاعتيادي وتفريغه من مضمونه المستقل. يضاف إلى ذلك تغييب الشراكة الشعبية الحقيقية في صياغة التشريعات، حيث تُقر القوانين المقيدة للحريات العامة وقوانين التظاهر والعمل الأهلي عبر مجالس نيابية تفتقر إلى التمثيل الشعبي المستقل، وتخضع للتوجيه الحكومي دون إجراء حوار مجتمعي، ما يعزز حالة من غياب المساءلة وتفشي الإفلات من العقاب في حالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وعلى العكس من هذا الواقع المؤلم، جاءت التجربة الأوروبية نتاج مخاض تاريخي طويل وشاق من الحروب والصراعات ضد الحكم المطلق، لترسخ نموذجاً صلباً في حماية الحريات وسيادة القانون. وقد استطاعت الدول الأوروبية تحويل هذه القواعد إلى واقع ملموس من خلال بناء آليات مؤسسية عابرة للدول كالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي تمنح الفرد القدرة على مقاضاة حكومة دولته في حال انتهاك حقوقه الأساسية. كما تعززت هذه المنظومة بصون الاستقلال التام للسلطات القضائية عن التدخلات التنفيذية، وتفعيل الشفافية المطلقة في إدارة الشؤون العامة وحرية تداول المعلومات، مما يتيح للمواطن مراقبة أداء السلطة ومحاسبتها باستمرار عبر أدوات الانتخاب والاستفتاء والحوار المجتمعي الفعال.

إن هذا التباين الناصع يوضح أن الفارق الجوهري بين المجتمعات يكمن في الموقع الذي يشغله الفرد داخل منظومتها القانونية، فحين تُصاغ القوانين في غرف مغلقة لتأمين السلطة وتهميش المواطن، تفقد التشريعات مشروعيتها، وتتحول إلى أداة للقمع والإخضاع. أما حين تكون التشريعات وليدة إرادة شعبية حرة، وتخضع لمراقبة مجتمعية وقضائية صارمة تعلو فوق الحاكم والمحكوم على حد سواء، فإن القانون يتحول حينها إلى درع حصين يصون الكرامة الإنسانية ويضمن الاستقرار والازدهار كما أثبتت التجارب الديمقراطية الرائدة.

اترك رد

اكتشاف المزيد من رؤى | ياسر عبد العزيز | Yaser Insights

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة