- عن سؤال: “يا مصر بتعمليها إزاي؟” سأجيبك
في ليلة عدت فيها من العمل مثقلا بأخبار الحروب ومصير الشعوب المغلوبة على أمرها، والتي تدفع ثمن مغامرات قادة العالم، أردت أن أخرج نفسي من هذه الدوامة، حتى لا تلاحقني السياسة ودهاليزها المظلمة في منامي.
ذهبت إلى تطبيق ساوند كلاود لأسمع أغنية لكوكب الشرق، بحق، أم كلثوم، واخترت مقطع “قربك نعيم الروح” من أغنية “عودت عيني”، للعازف بالكلمات أحمد رامي، والمبدع بالألحان رياض السنباطي، وسرحت في الكلمات والألحان والصوت الذهبي الذي لا يمكن وصفه بتعبير واحد، وسألت نفسي: يا مصر بتعمليها إزاي؟
هذه الأغنية أصبحت من أبرز الأعمال الغنائية التي حققت رواجا كبيرا خلال الأشهر الأخيرة، ليس في مصر فقط، بل في العالم العربي كله، بعدما قدمها المؤديان محمود العسيلي وبهاء سلطان ضمن حملة دعائية لبنك مصر في رمضان الماضي.
أصبح سؤال الأغنية يتردد عند كل موقف يظهر فيه المصري شهامة أو كرما أو شجاعة، أو أي خصلة حميدة تنم عن سلوك متجذر، ودعني أصفه بالسلوك الجيني، الذي لا يعرف الشخص نفسه من أين جاءه رد الفعل هذا في ذلك الموقف.
ولعل المقطع المصور الذي انتشر لسائق “التريلة” -سيارة النقل الكبيرة- وهو ينحرف من أقصى اليمين محذرا السيارات التي تأتي من خلفه، لينقذ سيارة نقل عادية انفجر إطارها، ومالت حتى كادت أن تنقلب، محدثة كارثة لو وقعت، فلصق سائق “التريلة” سيارته بسيارة النقل ليقومها، حتى حملها إلى جانب الطريق، منقذا عشرات السيارات وسائقيها، ومن قبلهم سائق النقل من حادث مروع.
ولما انتشر المقطع على منصات التواصل الاجتماعي، استضافته منصة إخبارية، فقال سائق “التريلة” في أول تعليق: “احنا مصريين يا باشا”، “ده كرم من ربنا”، “أنا مش عارف بالتصوير.. وسوشيال ميديا، أنا معرفتش بالتصوير ده إلا تاني يوم، ودي أصول التربية، أنا ما عملتش غير الواجب”.
فتح الشعب المصري بيوته للمهجرين من فلسطين، وقررت الحكومات المتعاقبة، إلى وقت قريب، جعل التعليم بكل مراحله، حتى الجامعي، مجانا للفلسطينيين، وهو ما فعلته مع السودانيين
هذا الواجب الذي تكلم عنه السائق عماد جلال، لخصه الدكتور العالم المصري محمد الألفي، رئيس الكلية الملكية لطب العيون في بريطانيا، في حوار تلفزيوني بقوله: “نحن نأخذ مصر وقيمها معنا في الغربة”.
هذا العالم صغير السن، كبير المقام والهمة، حاصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة عين شمس. وقد سبقه إلى هذا المنصب الدكتور هاني عتيبة، رئيس الكلية الملكية للأطباء والجراحين في بريطانيا عام 2023، وهو خريج جامعة الأزهر. ومن قبلهم يحيى المشد من جامعة القاهرة، وأحمد زويل من جامعة الإسكندرية.
ما يعني أننا قادرون على أن نخرج من جامعاتنا من يسند الحضارة قبل أن تنحرف وتحدث كارثة، كما فعل السائق عماد جلال. والأفذاذ في بلادنا كثر، في شتى المجالات، في الطب والهندسة والعمارة والفيزياء والكيمياء، والأدب، والشعر، والقانون، والمحاسبة، والفن، والرياضة، وفي الحياة اليومية، التي تفرز أنقى ما في الشخصية المصرية.
لكن يبقى السؤال: يا مصر بتعمليها إزاي، في ظل هذا الانحدار الممنهج والمستهدف لقتل هذه الروح في الشعب المصري؟
اسمح لي، عزيزي القارئ، أن أطوف بك على مواقف لهذا الشعب، وتلك الحكومات التي تحافظ على ماء وجهها أمامه في الملمات التي تقع للأشقاء.
ولنبدأ بمواقف أبناء البلد منذ بداية القرن العشرين، حتى لا أذهب بك بعيدا، ولو أردت ما انتهيت، ولا تكفيني المجلدات.
فمع انطلاق ثورة عام 1919، وقف المسلمون والمسيحيون صفا واحدا ضد الاحتلال البريطاني، رغم محاولات الاحتلال شق لحمة الشعب.
وفي حروب (أعوام 1948 و1956 و1967 و1973)، لم تقتصر الشهامة على إرسال المعونات لإخوانهم في مدن المواجهة، بل فتحوا بيوتهم للمهجرين منها، وتقاسموا السكن، بل والعمل معا.
ولم يكن هذا السلوك بدافع تلاحم الشعب من أجل رد العدوان فقط، فبعد انتهاء الحروب تجلت شهامة هذا الشعب في زلزال القاهرة عام 1992، والسيول في محافظات الصعيد وسيناء، حيث ظهرت موجات واسعة من التكافل الشعبي وجمع التبرعات.
هذه الشهامة لم تقتصر على المصريين فيما بينهم، فمنذ اللحظة الأولى لنكبة فلسطين هب المصريون لنجدة إخوانهم، وجمعوا المال واشتروا السلاح، وتكفي شهادة المحتل نفسه في بسالة وقوة المقاومة المصرية على أرض فلسطين.
وعلى المستوى المدني، فتح الشعب المصري بيوته للمهجرين من فلسطين، وقررت الحكومات المتعاقبة، إلى وقت قريب، جعل التعليم بكل مراحله، حتى الجامعي، مجانا للفلسطينيين، وهو ما فعلته مع السودانيين. كما فتحت مستشفياتها لهم، وأرسلت القوافل الطبية ومعها المساعدات الإنسانية.
كما تقاسموا السكن، تقاسموا العمل، حتى عمل السوري سائق “توك توك”، وهي مهنة يمتهنها الفقراء من أهل مصر، ولم يجد عنصرية كما وجد في بلاد أخرى لجأ إليها إخوته
ومع ثورة الجزائر، احتضنت القاهرة قيادة الثورة الجزائرية، واستقبلت الطلبة الجزائريين للدراسة، وما قدم للجزائريين قدم لليمنيين، وكما استقبلت الطلبة والمرضى، أرسلت لهم المدرسين والأطباء، وبنت لهم المستشفيات.
كما فتحت للأشقاء في الكويت أبوابها، واستضاف المصريون أهل الكويت ممن لجؤوا إلى مصر طالبين الأمان، بعد غزو صدام حسين لأراضيهم.
ولما تحولت الدفة على العراق باحتلال غاشم من الأمريكيين، فتح الشعب المصري بيته، وتقاسم اللقمة مع إخوته العراقيين، غير ناس أفضالهم على كثير منهم في الرخاء.
وبعد اندلاع الثورة السورية، ولجوء المجرم بشار الأسد إلى قصف المدنيين بالبراميل المتفجرة، كانت مصر ملجأ للكثير من السوريين، فكانت ملحمة الشعب المصري الذي أسكن السوريين في بيوت لم تكن حتى لتسكن من قبل، مضحيا بمئات آلاف الجنيهات لإيواء إخوانه.
وكما تقاسموا السكن، تقاسموا العمل، حتى عمل السوري سائق “توك توك”، وهي مهنة يمتهنها الفقراء من أهل مصر، ولم يجد عنصرية كما وجد في بلاد أخرى لجأ إليها إخوته.
المصري الحقيقي يصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. هذا السلوك الذي يندفع إليه المصري، ولا يعرف من أين ينبع، راسخ في جيناته الحضارية التي ورثها جيلا بعد جيل، ونتاج ثقافة ودين ووعي جمعي، يجعل من لا يندفع إليه مستصغرا ومهانا بين أهله ومجتمعه.
لذا، فإنه، ومع كل المحاولات لقتل هذه الأخلاق الحميدة، لا يزال المصري يحمل في جيناته ما لن يضيعه الله أبدا.


اترك رد