هل ينجو أصدقاء الطفولة من اختبار فيسبوك؟

في ثمانينيات القرن الماضي، وفي أروقة إحدى مدارس اللغات بالقاهرة، لم تكن البطولة للفصول الدراسية، ولا ملاعب المدرسة وساحاتها، ولا ذكريات الدراسة، ومدرسيها، ولا للمواقف الطريفة التي عاشها ذلك الطفل الذي تربى في أروقة المدرسة، في الصف الأول من المرحلة الابتدائية، حتى تخرج فيها متحصلا على شهادة الثانوية العامة ليدخل الجامعة، البطولة الحقيقية كانت في ذلك الرباط الخفي الذي نسجه الزمان بين فتيات وفتيان الصف الدراسي الذي نشؤوا فيها سوية مع هذا الشاب.

هذه المجموعة التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى المحافظة، لم تكن عائلاتهم التي خرجوا منها لتبهرك بالثراء الفاحش، بل بتلك الرصانة الاجتماعية والتربية المتينة.

كان بيت هذا الشاب قبلة للرفاق يولون إليه وجوههم، للاجتماع، والراحة أو حتى للطعام إذا مر أحدهم بجواره وكان جائعا، وكانت أمه بمثابة كبيرة سدنة هذا المحراب الذي يجمع الرفاق وتزودهم بمزيد من الدفء، ليرسخ رغبة العودة دوما

في هذه المدرسة المنضبطة تربويا قبل أن تكون كذلك تعليميا، نشأ الصبي وسط رفاقه ليكبروا معا كأغصان شجرة واحدة، يتشاركون حياتهم، قبل مقاعد الدراسة وكتبها، يتقاسمون الضحكات، قبل جدية الدروس وامتحاناتها، وحتى أوهام الحب العذري التي ينثرها خيال الصغار في قلوبهم؛ لم تكن سوى نداء المرحلة، وإلحاح المراهقة، مع ذلك فقد كان ذلك الحب الذي تشهده ممرات المدرسة، أو مكالمات الهاتف، محكوما بسياج صلب من الأخلاق التي تشربوها في بيوتهم ومدرستهم.

كان بيت هذا الشاب قبلة للرفاق يولون إليه وجوههم، للاجتماع، والراحة أو حتى للطعام إذا مر أحدهم بجواره وكان جائعا، وكانت أمه بمثابة كبيرة سدنة هذا المحراب الذي يجمع الرفاق وتزودهم بمزيد من الدفء، ليرسخ رغبة العودة دوما، إذا ما حلت بأحدهم ملمة، وكان يوم عيد ميلاد الشاب، بمثابة الموعد الذي يُحج فيه إلى بيته، فلا يتخلف من الزملاء أحد.

مرت الأيام وسرقهم قطار الثانوية العامة إلى صخب الجامعات، وبدأ البعد يأكل من أطراف تلك الرابطة رويدا رويدا، وراح كل واحد منهم يبني عالمه الجديد، وحاد الناس عن قبلتهم بالتدريج، غير أن ثلة قليلة بقيت تقاوم اهتراء الرابطة.

فمع زواج البنات، وانشغال الشباب وسافر من سافر، وتقطعت السبل، بات الأقران كلا في سبيل، واستطاعت الحياة أن تخطفهم في دوامتها، ليغرق من غرق عن بينة، ويقاوم فيها القليل، ليبحث عن أصدقاء الطفولة وبقايا نفسه التي سرقتها انشغالات الحياة.

ثم انشقت سماء فيسبوك لتمطر أملا، فاستيقظ الشوق في قلب الشاب، ونهض يبحث عن أقرانه ومريدي قبلة أمه، فدخل مجموعة خريجي المدرسة، لعله يجد ضالته، فإذا هي تعج بأجيال غريبة لم يدركها، وقت أن كان يدرس وزملاؤه في المدرسة، مع ذلك لم ييأس، فظل ينقب حتى وصل إلى زميلة، أوصلته بأخرى، وكان صديق عمره لا يزال يزوره.

لم يفرح الشاب كثيرا بعودة قرنائه إلى محراب الزمالة وصدق المشاعر، فما إن أخذت علاقتهم زخرفها وتزينت حتى أتتها رياح السياسة وتقلبات الأحداث، فمزقت ما جمعته الشاشات، فاختلفت الرؤى، وتصدرت المخاوف، ورُبطت العلاقات الإنسانية بمواقف سياسية حادة تحت وطأة الخوف

تجسدت “القِبلة” من جديد، لكنها هذه المرة كانت افتراضية، خلف شاشات الأجهزة، وعاد أربعتهم ليحيوا طقوسا صدتهم عنها ملاهي الدنيا ومشاغلها، وأبعدتهم عنها الجغرافيا وظروف الحياة.

لم يفرح الشاب كثيرا بعودة قرنائه إلى محراب الزمالة وصدق المشاعر، فما إن أخذت علاقتهم زخرفها وتزينت حتى أتتها رياح السياسة وتقلبات الأحداث، فمزقت ما جمعته الشاشات، فاختلفت الرؤى، وتصدرت المخاوف، ورُبطت العلاقات الإنسانية بمواقف سياسية حادة تحت وطأة الخوف، فتفرقوا مجددا، وهاجر من هاجر، وتقوقع من تقوقع، وتراجع من خاف على مكانته في العمل، ليظهر ما لم يكن يبطنه، ليجاري الموجة ولا يغرق.

واليوم، وبعد سنوات طوال، اشتعلت جذوة فكرة لم شمل الزملاء في مجموعة فيسبوك من جديد، بعد أن خبت بفعل رماد الأحداث.. لكن الخوف هذه المرة أكبر من الشغف.

ليس الخوف من تجاعيد الوجوه ولا شيب الرؤوس، بل الخوف من انكسار الصورة الجميلة؛ الخوف من أن يرى ضحكة صديقه القديم وقد أطفأتها الخيبات أو المرض، فلا يجد الروح التي ألفها، الخوف من أن يصبح هو نفسه غريبا، الخوف من أن يقعوا، إذا ما عادوا، في فخ الصمت، بعد دقائق من الحديث، حين يكتشفون أن الحاضر لا يحمل شيئا ينبض نبضا مشتركا كما كان، الخوف من المقارنة القاسية والخفية، حتى ولو لم يصرح بها أحد.. من نجح، وما شكل هذا النجاح، وعلى أي مقياس يمكن أن يقيس بعضنا بعضا.

في ظل هذه المخاوف وهذا التردد، اتخذ القرار بأن يبقي ذلك الزمن برائحته وعبقه ودفء دياره ملاذا أخيرا، وحلما جميلا يلوذ إليه كلما أرهقته الحياة، وصدمته حقيقة أنه كبر أكثر مما يجب

يخاف من أن يخفي بعضهم عن بعض ما يراه مشينا، وهو غير ذلك، وهم من كانوا كتبا مفتوحة أمام بعضهم، يخاف تلك الأخبار الموجعة عن رحيل فلان، أو ضياع فلان، يخاف من ألم ضياع الأحلام التي يمكن أن يراها في عيون أحدهم، يخاف ويخاف أن يتحول اللقاء إلى سرادق عزاء للسنوات، فيطارده الشعور بالذنب؛ لأن 30 سنة مرت دون سؤال، ويخاف أن يكتشف في نهاية المطاف أن الذكرى كانت أجمل من الواقع، أو أن عودة الأصدقاء القدامى قرار أصعب من نسيانهم.

إنها حيرة القلوب المعلقة بين جحيم الواقع وحنين الماضي، فهذا القلب الضعيف لم يرد إلا الخير، فقط أراد أن ينزل عن كاهله أحمال العمر على أرض النقاء والفطرة، وأن يفر من زحام الأيام وضغوط الحياة إلى رحابة براءة الطفولة وعفوية الشباب، لكنه يظل خائفا أن يلمس أطياف الماضي فيتحول إلى كابوس يرافقه ما بقي له من عمره.

في ظل هذه المخاوف وهذا التردد، اتخذ القرار: أن يبقي ذلك الزمن برائحته وعبقه ودفء دياره ملاذا أخيرا، وحلما جميلا يلوذ إليه كلما أرهقته الحياة، وصدمته حقيقة أنه كبر أكثر مما يجب، وأن الزمن الذي مضى لن يعود، حتى لو عادت الأسماء، فقرر أن يبقي كلا في مكانه حيث هو في ذاكرة العمر.

اترك رد

اكتشاف المزيد من رؤى | ياسر عبد العزيز | Yaser Insights

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة