قرار ترامب وقف الحرب في لبنان ومصير سلاح حزب الله

منذ أن أعلن ترمب وقف الحرب في لبنان، والسؤال الذي يشغل المراقبين، وحتى السياسيين في الكيان المحتل الذين اعترضوا على استباق سيد البيت الأبيض قرارهم بخطوة وأعلنه منفردا: لماذا الآن، وعلى أي أساس، ولماذا التزم الحزب بالقرار، وهل من ارتباط بين القرار والحديث عن جولة جديدة للمفاوضات مع إيران؟

أما الأخير، ففيما يبدو أن العلاقة وثيقة، ومن ثم فإن الإجابة عن سؤال لماذا التزم الحزب، فأظنها مرتبطة بإجابة السؤال الذي سبقه -المفاوضات مع إيران- لكن السؤال الأهم هو: على أي أساس أوقف الحرب التي تهدف إلى نزع سلاح حزب الله، وهو ما لم يتحقق، لا بالقصف الجنوني لآلة حرب الكيان المحتل، ولا حتى بدبلوماسية اجتماع واشنطن التي جمعت ممثلي الدولة اللبنانية بدبلوماسيين من تل أبيب الأسبوع الفائت.

بعد الحرب الأخيرة على إيران، انخرط الحزب في الحرب كأحد أذرع طهران، فيما عرف نفسه بمحور المقاومة، ما جعل سلاح الحزب مادة مهمة في إطار ترتيبات إقليمية معقدة

منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، وملف نزع سلاح حزب الله حاضر بقوة في نقاشات داخلية في لبنان، وكذا النقاشات الإقليمية، وعلى الرغم من تعدد المبادرات والقرارات الدولية، فإن المحاولات كلها باءت بالفشل، بسبب التوازنات الداخلية من جهة، والدعم الذي يحظى به الحزب من إيران وسوريا الأسد من جهة أخرى، وكان المبرر دوما احتلال “إسرائيل” الأراضي اللبنانية.

بعد اتفاق الطائف عام 1989، جرى وضع الإطار النظري لنزع سلاح كل الفصائل المسلحة في لبنان لصالح دولة مستقرة موحدة السلاح بيد الحكومة، غير أن سلاح حزب الله استُثني تحت مسمى “المقاومة”، باعتباره موجها ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.

هذا الاستثناء شكّل لاحقا حجر الأساس في بقاء السلاح خارج سلطة الدولة، لكن بعد انسحاب الاحتلال من جنوب لبنان عام 2000، برزت أولى الدعوات الجدية داخليا لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن الحزب رفض هذا الطرح، مستندا إلى استمرار النزاع حول مزارع شبعا.

دخل العامل الدولي بقوة على الخط لنزع سلاح الحزب، مع صدور قرار مجلس الأمن رقم (1559) سنة 2004، وهو ما قوبل برفض من الحزب بدعم من إيران، إذ اعتبره الحزب تدخلا خارجيا في الشأن اللبناني، وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب سوريا من لبنان، وافق الحزب على الانخراط في حوار وطني، لكنه تمسك بفكرة “الإستراتيجية الدفاعية” التي تُبقي سلاحه قائما ضمن تصور أوسع لدور الدولة.

وبعد الحرب الأخيرة على إيران، انخرط الحزب في الحرب كأحد أذرع طهران، فيما عرّف نفسه بمحور المقاومة، ما جعل سلاح الحزب مادة مهمة في إطار ترتيبات إقليمية معقدة. ظهر التباين جليا في محادثات واشنطن بين لبنان الدولة والاحتلال؛ فلبنان ركّز على وقف إطلاق النار وانسحاب قوات الاحتلال، بينما وضعت تل أبيب شرطا أساسيا يتمثل في نزع سلاح حزب الله، خصوصا في جنوب البلاد.

في ضوء هذه المعطيات، تتباين السيناريوهات المطروحة لمستقبل سلاح حزب الله. أولها، وهو الأكثر واقعية وفق كثير من التقديرات، أن تتم تسوية تدريجية يتم فيها تثبيت وقف إطلاق النار وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، مقابل تراجع الوجود العلني للحزب دون نزع كامل لسلاحه.

والثاني يتمثل في “احتواء” الحزب بدلا من تفكيكه، وأنا هنا أستحضر عملية دمج مليشيات الحشد الشعبي في العراق داخل المنظومة العسكرية للدولة، وفي حالة الحزب يتم تقليص قدراته العسكرية بالضغط على السلاح الوارد إليه.

مسألة نزع سلاح حزب الله لا تزال بعيدة عن الحسم، حتى ولو ضمن تفاهمات دولية وإقليمية، وحتى لو كان سلاح الحزب هو القربان الذي يمكن أن تقدمه طهران للخلاص من حاملتي طائرات وما عليهما

السيناريوهان قد لا يلقيان قبول اليمين المتشدد في الكيان المحتل، وهو ما يدفع المنطقة إلى سيناريو ثالث يتمثل في معادلة صفرية لن تكون في صالح أحد، لا سيما أن طهران باتت بين سندان الخلاص من حرب لم تكن تريدها، وهو ما يحتم عليها التخلي عن الحزب، وهو خيار يُسقطها من أعين حاضنتها “الشيعية” العربية، وبين مساندة الحزب والعودة إلى حرب أعادتها عشرات السنوات إلى الخلف، على الأقل على الصعيد الاقتصادي.

قبل لحظات من كتابة هذا المقال، صرّح أحد المسؤولين في حزب الله لقناة (إن بي سي) -تناقلته المواقع الإخبارية- “إنهم قد يمتثلون لقرار نزع السلاح في إطار رؤية أوسع للأمن القومي”.

هذا التصريح يعيدنا إلى فترة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب سوريا من لبنان، فقد كان موقف الحزب من الحديث عن نزع سلاحه يتبلور في فكرة “الإستراتيجية الدفاعية” التي تُبقي سلاحه قائما ضمن تصور أوسع لدور الدولة، وهي الرؤية التي تتسق مع حالة الشحن المعنوي لجماهيره على مدى أربعين عاما، والتخلي عنها يعني موته إكلينيكيا. ما يعني أن قادة الحزب، لو ذهبوا إلى خيار التخلي عن السلاح، فإن جماهيره ستذهب إلى ما هو أبعد من قرارات القادة، وربما سيكون سيناريو الفوضى هو الأقرب.

فيما يبدو أن مسألة نزع سلاح حزب الله لا تزال بعيدة عن الحسم، حتى ولو ضمن تفاهمات دولية وإقليمية، وحتى لو كان سلاح الحزب هو القربان الذي يمكن أن تقدمه طهران للخلاص من حاملتي طائرات وما عليهما من طائرات إف 35 وإف 16، وصواريخ التوماهوك المحملة عليها، والخمس عشرة سفينة التي تحاصر موانئها، وآلاف الجنود المنتظرين في البرمائيات.

والأهم التخلص من الأزمة الاقتصادية التي أثرت في كل مناحي الحياة بعد ضرب البنية الطاقوية. مع ذلك، فإن القرار لم يعد بيد طهران، ولا حتى قادة حزب الله، فالحاضنة الشعبية للحزب، التي لديها ثأر من الاحتلال، لن تسمح بهدر دماء أبنائها، كما لن تسمح بشماتة الشامتين.

اترك رد

اكتشاف المزيد من رؤى | ياسر عبد العزيز | Yaser Insights

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة