قطعا لن يتصور أحد أن الدولة التي دخلت الإسلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، ذلك الدين الذي حرم العبودية، ودعا إلى تحرير من وقع فيها، يعاني أهلها الآن من العبودية، إلا أن دراسة أخيرة لمنظمة (ووك فري) الأسترالية المعنية بحقوق الإنسان في تقريرها السنوي حول مؤشر العبودية في العالم أكدت أن أكثر من 40 مليون شخص يعيشون تحت العبودية، ويعيش معظمهم في كوريا الشمالية والدول ذات الأنظمة السياسية المشابهة.
هذه الأرقام الصادمة فتحت الباب للسؤال عن معنى العبودية الحديثة وما هو تعريفها في القوانين والمواثيق الدولية؟
حرمت العبودية بموجب الاتفاقية الخاصة بالرق، والتي وقعت في جنيف عام 1926 التي عدلت بموجب البرتوكول المحرر في 1953 وعرفت الاتفاقية والبرتوكول المعدل العبودية الحديثة على أنها (حالة أو وضع أي شخص تمارس عليه السلطات الناجمة عن حق الملكية، كلها أو بعضها) مع ذلك فإن المختصين عرفوا العبودية على أنها: (امتلاك فرد أو التحكم فيه بطريقة تحرمه بشكل كبير من حريته الشخصية بغرض استغلاله من خلال استخدامه أو إدارته أو التربح من ورائه أو نقله من مكان لآخر أو التخلص منه).
وتضرب المنظمة أمثلة على أشكال العبودية الحديثة بالزواج القسري وما يصحبه من استغلال جنسي ومالي، وتعد عمالة الأطفال في بعض الدول من أجل سداد ديون آبائهم شكلاً من أشكال العبودية الحديثة، إلا أن التعريف وسع مظلة العبودية، فاستخدام الدولة لمواطنيها في مشاريع خاصة سواء بالعنف أو الخداع أو التهديد للإيقاع بالمواطنين وإجبارهم على العمل يدخل تحت تعريف العبودية الحديثة.
وبحسب هذا التعريف، فإن ما يزيد عن مليون شاب مصري يقعون في دائرة العبودية الحديثة، لا سيما بعد أن توسع النظام آخر خمس سنوات في إسناد المشاريع الاقتصادية والاستثمارية صناعية كانت أو زراعية أو حتى في مجال الإنشاءات إلى القوات المسلحة.
وسواء كان الشاب المجند يخدم في شركات التابعة للقوات المسلحة مباشرة، أو في شركات مدنية أنشأت خلال الفترة الماضية كغطاء لقادة القوات المسلحة، ويديرها ضباط سابقون، فإن الشاب الذي يعمل في تلك الشركات، والتي تدر أرباحا بالمليارات على هؤلاء القادة يعد عبدا بموجب التعريف الوارد في الاتفاقية الخاصة بالرق.
وبحسب مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة جورج واشنطن، فإن قائمة الشركات التي تحكم القوات المسلحة في مصر قبضتها عليها منذ مدة طويلة، بدءا من تربية الماشية، وقطاع النقل، وتصنيع الأجهزة المنزلية، والمواد الإلكترونية، والأدوية والمعدات الطبية، ومجال توزيع الوقود، والبناء، والخدمات الإعلانية، وقطاع المناجم، وانتهاء بإدارة الفنادق وقطاع السياحة، يدار هذا النشاط الاقتصادي من خلال ما وصفه المركز بالإمبراطورية عن طريق متاهة من الكيانات المرتبطة بوزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع، وسلاح المهندسين وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، في منظومة تعتمد على عشرات الشركات المنتشرة في جغرافيا مصر.
وقدر موقع ميدل إيست آي البريطاني نسب هيمنة الاقتصاد العسكري على المقدرات الاقتصادية لمصر بما يتراوح بين الـ50-60% فيما يستحوذون على 90% من أراضي مصر بموجب وضع اليد أو بقوانين تسهل لهم ذلك، وهو ما يشكل خطرا كبيرا على الاقتصاد الوطني، ويضر برجال الأعمال، بل يقتل فرص استثماراتهم، ويحد من فرص الاستثمارات الأجنبية التي تخشى التعامل مع جهة محتكرة.
مع ذلك فإن اللوم لا يقع على الدولة المصرية التي انبطحت أمام جبروت النفوذ العسكري المهيمن على مقدرات مصر منذ 1952 بل أيضا يشارك في هذه المسؤولية الدول المتقدمة التي تتعامل مع سياسي وتجاري مع نظام معلوم بالضرورة لديها استخدام الرق في تنمية مشاريعها ضاربة بذلك المواثيق الدولية والقيم الديمقراطية القائمة على المنافسة وتداول رأس المال والعمل المأجور.


اترك رد