رد الفعل الغربي وخريطة العلاقات التركية بعد فشل الانقلاب

لا تزال ارتدادات الانقلاب الفاشل في ليلة الخامس عشر من يوليو تحدث آثارها في الداخل التركي وكذا في الخارج، فردود الأفعال الدولية التي بدرت تزامنا مع محاولة الانقلاب الفاشلة فيما يبدو أنها ستهز منظومة العلاقات الدولية. إذ إنها كلها تمحورت حول كلمات مرتعشة مترددة تدور في فلك (نتابع الأحداث، نتابع بقلق، نطالب بالهدوء) كما أن ردود الفعل الغربية الرسمية التي تأخرت إلى حين استبانة الأمر، وكأنهم كانوا ينتظرون شيئاً، جاءت محافظةً على صورة الداعم للقيم الديمقراطية وليس الحكومة.

لطالما بشر الغرب بالديمقراطية واحترام الإرادة الشعبية، ولطالما أكد في دروسه للعالم أن التغيير السلمي عن طريق آلياته الديمقراطية هو سبيل ضمان حياة مستقرة للبشر، ولطالما كتب منظروه عن رفض الانقلابات العسكرية، وأن زمانها قد ولى ولم يعد مقبولاً أن تدعس الدبابة إرادة الشعب، لكنه فعلياً قد خالف القول، فتصريحات الساسة الغربيين، وتشدقهم بحقوق الإنسان لغلِّ يد الحكومة التركية المنتخبة عن معاقبة الانقلابيين إنما هو دعم مبطن لذلك الانقلاب، وتكفير للشعوب بالديمقراطية، وترسيخ لدعشنة الفكر وترسيخ لقانون الغاب، فكبر مقتاً عند الله أن يقولوا ما لا يفعلون.

عودة إلى تصريحات الغرب تجد أن واشنطن التي تأخرت حتى تأكد لها فشل الانقلاب صرحت أنها تؤكد دعمها للحكومة المنتخبة، وموسكو دعت إلى تجنب سفك الدماء في تركيا أما الخارجية البريطانية، فقد أعربت عن قلقها جراء الأحداث الجارية في أنقرة وإسطنبول، بينما دعت الخارجية الفرنسية في بيان لرعاياها في تركيا للبقاء في منازلهم، أما الاتحاد الأوروبي، فقد أكدت مصادر فيه أن محاولة الانقلاب العسكري الجارية في تركيا تبدو كبيرة، وليست من بضعة أفراد في الجيش. وهو ما يعني أن الغرب كان مترقباً، وليس داعماً كما كان منتظراً من دول الحريات وحقوق الإنسان.

فحقوق الإنسان ورقة تستخدم بحسب اللزوم، والآن يلزم الأمر أن نطلق هذه الورقة ضد الحكومة التركية المنتخبة، والتي خرج الشعب ليدعمها ويدعم قيم الديمقراطية في مشهد تاريخي، ليؤكد للعالم أن ما تعيشه تركيا هو الديمقراطية الحقيقة لا زيف كلام. فترصد صحيفة الشرق الأوسط تصريحات الساسة الغربيين عن وجوب المحافظة على حقوق الإنسان، فنقلت عن وزير الخارجية الفرنسي تصريحا جاء فيه (أن الانقلاب الفاشل لا يعطي أردوغان الحق بصك مفتوح لعمليات التطهير)، أما الكرملين فنقلت عن بوتين: (أبلغ أردوغان أنه يجب ألا تكون هناك إجراءات غير دستورية)، كما دخل وزير خارجية النمسا على الخط ليصرح لرويترز (أنه من غير المقبول إقرار عقوبة الإعدام في تركيا مجددا ردا على محاولة الانقلاب.

وكأن تصريحات الساسة الغربيين جاءت متناغمة مكملة بعضها بعضا لغل يد الحكومة في معاقبة من قتلوا الشعب، وخانوا العهد وداسوا الديمقراطية، ولا تفهما إلا أنها دعم للانقلاب بصورة مبطنة. لذا يبدو أن محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا ستعيد شكل خريطة العلاقات الدولية وكذا خريطة التحالفات، فتركيا التي تملك أوراق ضغط جيوسياسية وحقوقية يمكن أن تعيد صياغة المنطقة بما يضر بمصالح الغرب، إن هي أرادت، فهل سيتدارك الغرب الوضع أم أن المنطقة ستذهب إلى المجهول؟
الإجابة بكل تأكيد في يد صانع القرار في الغرب مدعي الحرية.

اترك رد

اكتشاف المزيد من رؤى | ياسر عبد العزيز | Yaser Insights

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة